تواصل معنا

مراحل العمل بالمخطوطات

الحمد لله الذي أعطانا، وأطعمنا وسقانا، وآتانا من نعمه ما آتانا، نعصيه فيسترنا وننساه فيذكرنا، والصلاة والسلام التامان الأكملان على خير إنسان، وأفضل مخلوق من الإنس والجان، ما أشرقت شمس وما شهقت نفس، أما بعد:


إن التراث ليس فقط تلك القطعة الأثرية التي ورثها جدي عن جده، ولا تلك النوادر القديمة الموجودة في المتاحف، إن التراث الذي سنتكلم عنه هو العلم الذي نقله عالم عن عالم وحمله جيل عن جيل إلى أن وصل إلينا، فالتراث جزء لا يتجزأ من تاريخنا، ولا مستقبل لأمة لا تهتم بماضيها ولا تفخر بعلمائها.

إن المخطوطات اليوم هي الكنز الذي يسعى الباحثون لإيجاده وإخراجه بأفضل صورة وأجمل حلة، ولكن لكل شيء أصوله وخطواته ومساره الذي يجب أن يكون فيه حتى يكلل بالتوفيق والنجاح.

تعمل الجامعات مشكورة على حث قسم من طلابها على البحث في الفهارس والغوص في أعماق المراجع ليكتشفوا لنا مخطوطاً نفيساً لم يحقق حتى يدرس ويأخذ عليه شهادة علمية، وخلال رحلته مع المخطوط بدءاً بالبحث عن العنوان وانتهاءً بالفهارس هناك رحلة طويلة من الكد والعمل.

لخصت في هذه العجالة مراحل العمل بالمخطوط حتى يكون عوناً للمبتدي ونبراساً للمقتدي، وجعلتها ضمن خطوات واضحة تأخذك الخطوة السابقة للخطوة اللاحقة ضمن سلسلة متصلة الحلقات بعضها يكمل الآخر.


أولاً: بعد الاعتماد على العنوان عن طريق الفهارس المختلفة وسؤال أهل الاختصاص، تأتي مرحلة جمع النسخ الخطية، حيث يبدأ الباحث عمله بجمع نُسخ المخطوط المبعثرة في مكتبات العالم قدر المستطاع، بالرجوع إلى فهارس المخطوطات العربية والأجنبية ومنصات البحث، والمراجع التي اهتمت بتوثيق ورصد المخطوطات ككتاب (تاريخ التراث العربي) لفؤاد سزكين.


ثانياً: ترتيب النسخ الخطية، حيث يرتّب الباحث النسخ التي جمعها من الأقدم للأحدث ضمن معايير واضحة، بدءاً بالنسخة التي كتبها المؤلف بنفسه، ثم تلك التي نسخها آخرون في زمن المؤلف وقُرئت عليه فأجازها وزكّاها، ثم التي كُتبت في زمنه وأضاف إليها علماء آخرون تعليقاتهم ومعارضاتهم، وعلى المحقق أن يُرجح دائما النسخة الأقدم من المخطوط إلا في حال كانت النسخة المتأخرة جيدة وأقرب لأسلوب المؤلف وفكره. 


ثالثاً: حصر النسخ المتشابهة للمخطوط الذي حظي بانتشار أوسع، وتصنيفها ضمن فئات أو عائلات، فهي تسهّل ضبط اختلافات النُساخ، والغاية من ذلك هي تقديم المخطوط كما وضعه مؤلفه، وعدم تكرار الفروق بتكرار النسخ، فربما وجد عدة مخطوطات تتطابق بالنقص والزيادة والأخطاء فيكون مرجع هذه النسخ لنسخة خطية واحدة، فتكون هذه النسخ ضمن عائلة واحدة يكفي من هذه النسخ نسخة واحدة والبحث عن عائلة جديدة بفروق جديدة واختلافات جديدة. 


رابعاً: اختيار النسخة الأم وتصنيف غيرها حسب قربها من زمن المؤلف، وهنا نراعي عدة أمور منها: نسخة خط المؤلف مقدمة على غيرها، فإن لم نجد فبنسخة نسخت في عصره، فإن لم نجد فأقرب تاريخ للمؤلف، ثم التي تحتوي تعليقات مهمة أو قيود مقابلة أو بلاغات متنوعة؛ لأن هذه النسخة تدل على قراءتها من قبل عالم أو طالب علم، وهكذا. 


خامساً: بعد اختيار النسخة الأم يتم كتابتها على الوورد، ونراعي رسم الإملاء المعاصر بإضافة التاء المربوطة والتذكير والتأنيث والصرف والنحو والهمزات وما إلى ذلك من قواعد إملائنا المعاصرة، فلا نترك المخطوط كما هو بدون همزات وغير ذلك من الأمور الواضحة المكتوبة بالمخطوط بحجة الأمانة العلمية، على العكس فمن الأمانة العلمية إخراج الكتاب بأفضل حال. 


سادساً: بعد كتابة المخطوط من النسخة الأم تأتي مرحلة مقابلة النسخ فيما بينها وإثبات جميع فروق النسخ؛ ليتم لنا سلامة النص واكتماله، وبمقابلة النسخ تظهر زيادات ونقص النسخ وأخطاء النساخ، ويتم بهذه المرحلة قراءة جميع النسخ كلمة كلمة. 


سابعاً: بعد المقابلة تأتي مرحلة الضبط ووضع علامات الترقيم من تشكيل المشكل ووضع علامات الترقيم المناسبة بقراءة عميقة لفهم النص من قبل المحقق. 


ثامناً: الآن كتابنا مكتوب ومقابل ومضبوط، ويأتي عمل التحقيق من وضع حواشي الكتاب والتعليق عليه؛ لأنها المظهر الحقيقي للمجهود النقدي والعلمي الذي قام به المحقق، وأبرز ما تتضمنه الحواشي هي تصحيح الأخطاء، وعزو الأقوال من آيات قرآنية وأحاديث نبوية وأشعار وغيرها، وكذا التعليقات والشروح الضرورية، وتبين المجهول وإيضاحه والتعريف بالمبهم، ومناقشة المسائل. 


تاسعاً: بعد أن ينتهي المحقق من عمله يبقى شيء أخير وهو وضع مقدمة للكتاب، حيث يشير المحقق فيها إلى موضوع الكتاب، والإضافات القيّمة التي يتضمّنها، والمقدمة لا تكون إلا بعد العمل بالكتاب ليظهر معه الصعوبات وأفكار المؤلف، وما إلى ذلك. 


عاشراً: عمل المراجع والمصادر التي اعتمدها في تحقيق الكتاب، ثم يقوم بعمل الفهرس بعد اكتمال الصورة النهائية للكتاب، كفهرس الموضوعات والأعلام والأماكن و البلدان.. إلخ.


                                                                                                                                  محمد رامز القاري

                                                                                                                         مدير مركز القاري لخدمة الكتاب

                                                                                                                             باحث في التراث الإسلامي